الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

127

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

جعفر : فلكم في أعناقنا دماء تطالبونا بذخول بها ؟ عمرو : لا . جعفر : فما تريدون منا ؟ أذيتمونا فخرجنا من دياركم ، ثم قال : " نعم أيها الملك خالفناهم بعث الله فينا نبيا أمرنا بخلع الأنداد وترك الاستقسام بالأزلام ، وأمرنا بالصلاة والزكاة ، وحرم الظلم والجور وسفك الدماء بغير حقها ، والزنا والربا والميتة والدم ولحم الخنزير ، وأمرنا بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، ونهانا عن الفحشاء والمنكر والبغي " . فقال النجاشي : بهذا بعث الله عيسى ، ثم قال النجاشي لجعفر : هل تحفظ مما أنزل الله على نبيك شيئا ؟ قال جعفر : نعم ، فقرأ سورة مريم ، فلما بلغ قوله : وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا قال : هذا والله هو الحق . فقال عمرو : إنه مخالف لنا فرده إلينا . فرفع النجاشي يده وضرب بها وجه عمرو وقال : اسكت ، والله لئن ذكرته بعد بسوء لأفعلن بك وقال : ارجعوا إلى هذا هديته ، وقال لجعفر وأصحابه : امكثوا فإنكم آمنون . كان لهذا الحدث أثر بالغ بعيد المدى ، ففضلا عما كان له من أثر إعلامي عميق في تعريف الإسلام لجمع من أهل الحبشة ، فإنه شد من عزيمة المسلمين في مكة وحملهم على الاطمئنان والثقة بقاعدتهم في الحبشة لإرسال المسلمين الجدد إليها ، إلى أن يشتد ساعدهم وتقوى شوكتهم . ومضت سنوات ، وهاجر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى المدينة ، وارتفع شأن الإسلام ، وتم التوقيع على صلح الحديبية ، وتوجه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لفتح خيبر ، وفي ذلك اليوم الذي كان فيه المسلمون يكادون يطيرون فرحا لتحطيمهم أكبر قلعة للأعداء اليهود ، فإذا بهم يشهدون من بعيد قدوم جمع من الناس صوبهم ، ثم ما لبثوا حتى عرفوا أن أولئك لم يكونوا سوى المهاجرين الأوائل إلى الحبشة وقد عادوا في